مُنْتَهَىْ الرشَادِ فِيْ الوَعْظِ وَالإِرْشَاد

مُنْتَهَىْ الرَشَادِ فِيْ الوَعْظِ وَالإِرْشَاد

مُحَاسَبَةُ النَفْسِ

 

مُحَاسَبَةُ النَفْسِ

 

إذا لاحظنا سلوكنا العام في هذه الحياة بدءاً من كلامنا ومروراً بأفعالنا الصغيرة والكبيرة نجد بأننا لا نراقب الله تعالى في كل ذلك، والسبب هو بُعدنا عن الله عز وجل، وانغماسنا في الأمور المادية والمعيشية والسياسية والإقتصادية وربما الأمنية، ونحن نعترف ونقر بأن الأوضاع بشكل عام أصبحت متردية بشكل ملحوظ، ولكن ذلك لا يسوّغ لنا نسيان أنفسنا والغفلة عن رقابة الله لنا والتهاون في مراقبة أفعالنا وأقوالنا، لأننا أمام ربنا سبحانه مسؤولون عن كل صغيرة وكبيرة مهما كانت الظروف المحيطة بنا صعبة وحرجة.

إن رداءة الظروف لا تبرر ارتكاب الخطأ، ولا تسوّغ الوقوع في الحرام ومعصية الرحمن تبارك وتعالى، لأن كل هذه الممارسات حجج واهية لا تخلِّص مرتكبها من الحساب، فهناك ميزان إلهي ورد لبيان الجزاء في يوم الحساب وهو أن الإنسان يُجزى بحسب أعماله وسلوكياته بالخير خيراً وبالشر شراً على قاعدة(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)

وهناك أمور يجد لها الإنسان عذراً، وهي الأمور الخارجة عن إرادته حيث لم يكلفنا ربنا بما هو خارج عن طاقاتنا(لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا) وبمعنى أوضح هناك أمور تدخل تحت قوله تعالى(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وعليه فإن العمل الخارج عن إرادة الإنسان واختياره الطبيعي هو المشمول تحت عنوان الإضطرار.

وقد ورد عن النبي(ص) قوله:رفع عن أمتي ما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه:

وهذا هو العدل الإلهي المتوج برحمته الواسعة،فإن الله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة في السموات والأرض، وقد أشار إلى هذا المعنى بشكل مكثف من باب التأكيد عليه في العديد من السور الكريمة.

ففي سورة فصلت قال سبحانه(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) وفي سورة الكهف قال تعالى(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)

كل هذه الآيات وأمثالها حافز لنا ودافع نحو التعامل مع الله عز وجل على أساس كونه تعالى غفوراً رحيماً،وفي نفس الوقت شديد العقاب، لأن الثقة بالله تعالى لكي تكون ثقة حقيقية لا بد وأن تحث صاحبها على الطاعة، أما الثقة التي تجر صاحبها إلى التهاون بأحكام الله عز وجل وعدم المبالات في المعصية والطاعة فلا تكون ثقة حقيقية كما لو قلت لأحدهم أطع الله والتزم بحلاله وحرامه فيقول لك إن الله غفور رحيم، هذا الرد لا ينبئ عن ثقة بالله تعالى وإنما ينبئ تهاون بأحكامه الموجهة إلينا، فهناك إذاً فرق شاسع وكبير بين الثقة والإهمال.

فالذي يرتكب الحرام ويرجو الرحمة في ذات الوقت وهو يعلم أن هذا العمل محرم يستحق عليه العذاب فلن يجد الله غفوراً له ورحيماً به لأنه بهذا القول لا يعبر عن ثقته بربه إذ لو كان واثقاً بالله لما أقدم على الحرام ولما تجرأ على ارتكاب المعصية بل هو بذلك يحاول أن يجد مبرراً لمعصيته ليس أكثر.

والثقة الحقيقية هي أن ترجو من الله تعالى أن يثيبك على عملك الصالح وأن يغفر لك الأخطاء التي ارتكبتها سواء كنت عالماً بالخطأ أو جاهلاً به ذاكراً له أو ناسياً له بشرط أن تكون تائباً منه توبة نصوحاً ولم تحدّث نفسك بالرجوع إلى مثل هذا الخطأ.

إذاً نحن بأمس الحاجة إلى مراقبة أفعالنا وأقوالنا وجميع حركاتنا وسكناتنا وأن نحسب لربنا حساباً في كل أمر من أمورنا حتى لا نخرج من الدنيا إلا وهو راض عنا.

ومن الأمور العبادية الكبرى التي يجب التنبه لها وعدم التفريط بشيء منها محاسبة النفس بين الحين والآخر فإن في محاسبة النفس تحصيناً لنا من الوقوع في الخطأ لأن هذه العملية تجعلنا متنبهين دائماً لكل ما يصدر عنا من قول أو فعل، ومحاسبة النفس تخفف عن صاحبها وطأة يوم الحساب وشدته وبمعنى آخر إن الذي يحاسب نفسه في هذه الحياة يوفر عناءاً ومشقة على نفسه في يوم المحشر.

وبهذه العملية يبقى المرء ذاكراً للأخطاء التي ارتكبها بدل أن تتراكم عليه ويُسأل عنها في يوم الجزاء، وهذه العملية هي في الحقيقة ضرب من ضروب التفكر الذي يعتبر من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد لربه حيث ورد أن تفكر ساعة يعادل عبادة سنة أو أكثر، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من أنواع العبادات حيث قال تعالى في سورة آل عمران(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

وهذه العملية غاية في الأهمية في حياة الإنسان المسلم لأن النفس لا تُترك وشأنها لحظة حيث أنها أمّارة بالسوء كما عبّر القرآن بقوله تعالى(إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ) وهذا لا يعني أن الأمر متعلق بالله وأنه جعل هذه النفس أمارة بالسوء وتلك غير أمارة وإنما يعني أن النفس أمارة بالسوء إلا من أراد من الله تعالى أن يرحمه فإنه يسعى ليجعل من هذه النفس نفساً ملائكية لوامة ومطمئنة فينقل نفسه من رتبة الهوى والشيطنة إلى رتبة الطاعة والإنصياع لأوامر الله تعالى ونواهيه.

ولعل المعنى والله تعالى أعلم بمراده أن النفس أمارة بالسوء إلا النفس التي سوف يرحمها الله لأنها التزمت أحكامه وطاعته في هذه الحياة.

هناك أقوام كانوا يسألون الله تعالى أن يحاسبهم أو يعاقبهم على أخطائهم في الدنيا حتى لا يكون عليهم تبعات يسألون عنها في يوم القيامة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الناحية الإيمانية التي يجب على كل مسلم أن يتحلى بها ويزين نفسه بها لأنها تاج عظيم مرصع برحمة الله عز وجل فقال تعالى(وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ)

ينبغي على المؤمن أن يحاسب نفسه فور صدور الخطأ وعلى الأقل مرة في كل ليلة حتى يحصن نفسه ويضمن لها الرحمة من الله تعالى، وقد حثنا النبي وآله(ص) في مواضع كثيرة على التزام هذه العملية لكونها غاية في الأهمية.

كثيراً ما نسمع أشخاصاً يرددون هذه العبارة (إن النفس لأمارة بالسور)وهي في الحقيقة آية قرآنية مباركة وردت في سورة يوسف عندما كان يحدثنا القرآن الكريم عن قصة زليخا زوجة العزيز عندما راودت يوسف عن نفسه ثم تابت بعد مدة من الزمن، وعندما انكشفت الحقيقة وبان المرج وبخ العزيز زوجته على فعلتها التي كلّفت يوسف سنين طويلة في السجن فراحت تبرر موقفها بهذه العبارة التي لم ترد في الواقع للتبرير وإنما وردت لبيان حقيقة كبرى يجب التنبه لها كيلا نقع في الخطأ بسببها لأن هناك أشخاصاً قد استعملوا من معنى هذه الآية ذرائع ومبررات يبررون بها معصياتهم وأخطاءهم وذلك بسبب الفهم الخاطئ لفحوى الآية الكريمة، فالنفس البشرية أمارة بالسوء ولكن ذلك لا يعني أن نستسلم لها ونضعف أمامها خصوصاً وأن في داخلنا قوى أقوى من قوة النفس الأمارة بالسوء وهي القوى العقلية التي تستمد العون والقوة من الله سبحانه وتعالى، فالقوى العقلية أقل عدداً في الإنسان من القوى الشيطانية كما يقول علماء النفس الإسلامي ولكن قوة العقل رغم آحاديتها هي أقوى بكثير من تلك القوى التي من شأنها أن تنزل بالإنسان إلى أحط المستويات الخلقية.

والمعلوم لدينا أن الإنسان عبارة عن كتلة من القوى والمشاعر والأحاسيس المختلفة والمتكاثرة، وقد ذكر علماء النفس أن القوى النفسية في الإنسان أربع، ثلاث منها شيطانية وواحدة رحمانية وهي كما قلنا قوة العقل الذي به عُرف الله وعُبد.

فإذا قلت لأحدهم لماذا اقترفت هذا الذنب أو فعلت هذه المعصية فيقول لك إن النفس لأمارة بالسوء، ثم سله مرة أخرى فقل له ماذا تقصد بهذا الكلام فيقول لك أنا لست معصوماً عن الخطأ، أي أنه بذلك يزيد في تبريراته ليستمر بالعصيان، والإنسان يجب عليه أن يعصم نفسه عن كل حرام وأن يكون حذراً من سطوات الشيطان الرجيم ووسوساته التي تأتيه بصور عديدة ظاهرها يوحي بالجمال ولكن باطنها مملوء بالعذاب، فقد يقع الإنسان في الخطأ نتيجة لبعض التجاذبات النفسية المنقادة للهوى ولكن ذلك لا يعني أن يستسلم المرء لنفسه الأمارة بالسوء وإنما يجب عليه أن ينقلها من رتبة الأمارة بالسوء إلى رتبة اللوامة التي تلوم صاحبها على فعل الحرام ثم يجعل من نفسه نفساً زكية ومطمئنة.

فالتائب من الذنب إذا قال إن النفس لأمارة بالسوء كان قوله تعبيراً عن التوبة والندم، أما المصر على الذنب بحجة أن النفس أمارة بالسوء فإنه بذلك يزيد فوق أخطائه أخطاءاً وفوق سيئاته سيئات لأنه يستعمل هذه الآية القرآنية في مصالحه الخاصة، فهو يحرف معاني الآيات من أجل أن يجد لنفسه ذريعة، وهذه الذريعة قد تبرر موقفه لدى بعض الجهلة، أما عند الله تعالى وعند المؤمنين فلا تسري مثل هذه الأكاذيب عليهم.

قال سبحانه وتعالى(إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) والأمر هنا لا يعود إلى الله عز وجل أي أن الذي يجعل النفس زكية ومرحومة هو صاحب النفس الذي يلجأ دائماً إلى الله تعالى ويسأله العون في ضبط النفس وتزكيتها.

وهناك قوة نفسية قال الله تعالى فيها(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)

الواو هنا واو القسم، والله تعالى في هذه الآية يقسم بالنفس لأنها أمر عظيم وسر من أسراره، ثم يضم القسم بنفسه إلى القسم بالنفس لأنه تعالى هو الذي خلق النفس وسواها، وكان تعالى قد أقسم بعدة أمور عظيمة قبل أن يصل الكلام إلى القسَم بالنفس، فلقد أقسم تعالى بالشمس والقمر والنهار والليل وبالسماء والأرض أن الفوز لمن زكّا نفسه، قال سبحانه (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا  وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا  وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا  وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا  وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا  وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)

إذاً.. النفس من الأمور العظيمة التي يجب التعرف على خصائصها ووظائفها بعد التعرف على خالقها عز وجل فإنها لو لم تكن عظيمة لما أقسم الله بها، ثم إن وراء هذا القسم رسالة إلى الناس يريد الله تعالى أن يلفت انتباههم لها وهي أن معرفة النفس أساس في التعرف عليه سبحانه ولأجل ذلك ورد في الحديث أنه من عرف نفسه فقد عرف ربه، وذلك أن معرفة هذا المخلوق العظيم لأكبر دليل على عظمة خالقه.

ثم إن مسألة الإلهام الوارد في الآيات المذكورة هي في الحقيقة موضع جدل ونزاع فإن معنى الإلهام في الآية هو الدلالة على هذين الطريقين اللذين يمثلان الخير والشر والحق والباطل في هذه الحياة.

الله تعالى ألهم النفس فجورها وتقواها أي أنه رسم لها الطريق بشكل واضح فدلها على طريق التقوى وأمرها بعبوره ودلها على طرق الفجور ونهاها من اجتيازه مبيناً لها خطورة الموقف وسوء المصير إن هي التزمت غير النهج القويم الذي أراده لها رب العالمين تبارك وتعالى.

فالذي يعتقد بأن إلهام الله للنفس هو الحث والتسيير فقد نسب الظلم إلى الله عز وجل وكلنا نعلم بأن الله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة وليس بظلام للعبيد كما أخبرنا في العديد من سور الكتاب المجيد.

ثم يذكر لنا القرآن نتيجة تزكية النفس وهي الفلاح والفوز حيث يقول(قد أفلح من زكاها) ثم ذكر عاقبة التزام الفجور فقال(وقد خاب من دساها)

وهناك عدة أسماء أضيفت إلى النفس بما يتناسب مع مضمونها من حيث الخير والشر والإستقامة والإنحراف كالنفس الزكية والنفس الأمارة والنفس المطمئنة والنفس اللوامة، وحديثنا هنا سوف يدور حول النفس اللوامة.

لماذا أضيف هذا الإسم إلى النفس؟ أو لماذا سميت باللوامة؟ والجواب هو أنها تلوم صاحبها عند ارتكاب الخطأ وتأنب له ضميره النائم ليصحو ويعمل صالحاً بدل استمراره في الشر والباطل والسوء.

والنفس اللوامة هي من القوى الخيّرة في الإنسان لأنها كثيراً ما تقف حائلاً بينه وبين ارتكاب الخطأ، وبسببها يحاسب الإنسان نفسه ليخلصها من التبعات وينقله من مرحلة الإنصياع إلى للشيطان إلى مرحلة الطاعة الصادقة لله سبحانه وتعالى.

وهذه القوة الرحمانية وهبها الله للإنسان نعمة وتحنناً وتفضلاً منه على عبده الخطّاء كي يجعل له من نفسه وفي نفسه نذيراً يذكره بأيام ربه وثوابه وعقابه ويُسمعه زفير جهنم وشهيقها ويريه نعيم الجنة الخالد قبل أن يرى كل ذلك بأم عينه أي في يوم الحساب يوم الجزاء الذي لا ينفع فيه شيء إلى من أتى ربه بعمل صالح وقلب سليم لم يحتله سوى حب الله والإخلاص له.

وما أحوجنا في هذه الأيام إلى مواعظ النفس اللوامة لأننا ابتعدنا كثيراً عن جادة الحق وغرقنا في متاهات الحياة ونسينا يوم الحساب وأن هناك جزاءاً ثواباً وعقاباً سوف نواجهه في يوم النشور يوم يقوم الناس لرب العالمين يوم يخرجون من الأجداث وينسلون إلى ربهم كما خلقهم أول مرة.

أين نحن من هذه المواعظ، ولماذا ابتعدنا كل هذا البعد عن الله تعالى، هذا الإله العظيم والرب الكريم الذي أوجدنا في هذه الحياة من أجل أن يرحمنا بشرط أن نعمل صالحاً، لماذا أذنا للشيطان بأن يسيطر علينا ويحولنا عن جادة الحق والطريق المستقين، لماذا ضعفنا أمامه ونحن نعلم بأنه يريد لنا الشر كي نفقد كل شيء ونخسر الدنيا والآخرة.

هل حب السلطان يبرر لنا التهاون في حقوق الله؟ وهل أن لقمة العيش أصبحت السبب في بعدنا عن الله وانحرافنا عن الحق؟ إن المؤمن لا يخشى الفقر ولا يخشى الجوع طالما أنه بعين الله وطالما أنه يتكل على الله تعالى في جميع أموره وكل شؤونه الخاصة والعامة.

إن الذي شغلنا عن ربنا ليس الجوع لأنه لا ينام أحد منا على الطوى في ظل نعم الله التي لا تعد ولا تحصى وفي ظل الرحمة الإلهية التي تأبى أن ينام مخلوق على الجوع، بل الذي أوصلنا إلى هذا المستوى من الإنحراف هو حب الدنيا والكماليات والشكليات والمصروف الإضافي الذي نحن بالغنى عنه.

 

وهناك نفس مطمئنة، قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ  ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً  فَادْخُلِي فِي عِبَادِي  وَادْخُلِي جَنَّتِي)

الله تعالى في هذه الآيات يخبرنا عن نتيجة السلوك الحسن أو نتيجة الإيمان وهي الرضا بما عند الله من نعيم وثواب، ولكنه في نفس الوقت يأمرنا بأن نجعل أنفسنا أنفساً مطمئنة وقد عبّر عن هذا الأمر بالنتيجة فكأنه أمرنا بأن نجعلها مطمئنة ثم بيّن لنا ثواب اطمئنانها وهو في الحقيقة لم يذكر سوى النتيجة لأن الدعوة إلى الخير بهذه الطريق التشجيعية والترغيبية قد يكون في بعض الحالات أبلغ من الدعوة العادية.

يأيتها النفس المطمئنة: يا صاحب القلب السليم والنفس الزكية فلتخرج روحك من بدنك راضية لأن الله تعالى قد رضي عنها بسبب طاعتها له والتزامها بأحكامه وائتمارها بأوامره ونواهيه، لقد نادى الله هذه النفس الزكية وطمأنها وقال لها لا تخافي ولا تحزني بل ارجعي إلى ربك راضية لأنه لا خوف ولا بأس عليكِ.

ثم زاد في البيان فقال أدخلي في عبادي وادخلي جنتي وهذا هو الجزاء الطبيعي الذي قرره الله تعالى للطاعة الصادقة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى