مُنْتَهَىْ الرشَادِ فِيْ الوَعْظِ وَالإِرْشَاد

مُنْتَهَىْ الرَشَادِ فِيْ الوَعْظِ وَالإِرْشَاد

الحث على أخذ العبرة من الموت

 

 

الحث على أخذ العبرة من الموت

 

في موضوع الحث على أخذ العبرة من الموت وما يحيط به من الظروف والأحداث التي لا يراها سوى المحتضر قال الإمام علي(ع):

” فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ! وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقٍّ أَقَولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّماءِ إِلاَّ البَشَرُ

إنها من أكرم المواعظ وأنفعها لمن عرفها وفهمها إذ ليست العبرة في الإكثار من الكلام حيث قد يكون الكلام كثيراً وفائدته قليلة، أما كلام الإمام(ع) فإنه على إيجازه يحمل من المعاني ما لم تحمله الخطابات المطولة والبحوث المعقدة والمتشعبة لغيره من الناس فهو على قاعدة خير الكلام ما قل ودل، والذين يكثرون الشروحات عاجزون عن بيان كثير من الأمور فهم يخافون من أن تنفد أفكارهم أما الإمام(ع) فإنه نبع لا نفاد له ولا جفاف وبحر لا يُعرف أوله من آخره.

وقد اشتملت هذه الموعظة على عدة أمور:

الأمر الأول: تشويق الناس نحو التعرف على معرفة ما قد عاين الذين أتاهم الأجل:

والإنسان بطبعه مجبول على حب المعرفة والإستطلاع فإذا عرف عمومياتٍ بسيطة حول هذا الأمر اتعظ إن كان ممن يتعظون ويعتبرون.

الأمر الثاني: وهو الأثر الكبير الذي ينتج عما لو عاين ما عاينه الذين ماتوا، نحن لم نعاين ما قد عاينوا ولكننا علمنا بما قد عاينوا، وعلمُنا بما عاينوه أثره كأثر ما لو عاينّا، وكلام المعصوم(ع) يكشف لنا عن الواقع لأنه عين اليقين فلا فرق بين أن نرى الأمر بأعيننا أو نعلم به عن طريق المعصوم، وأثر تلك المعاينة هو الجزع لقوله(ع) لجزعتم ووهلتم، وهذا الجزع والخوف من مما يعاينه الإنسان يحركه نحو تصحيح السلوك والمحافظة على أمور الآخرة بشكل جيد وسليم بحيث يصنع لنفسه ضمانة من الإنحراف والوقوع في المعصية، ولأجل ذلك قال(ع) وسمعتم وأطعتم، يعني سمعنا ما قاله الله ورسوله وأطعنا الله ورسوله في جميع الأوامر والنواهي.

الأمر الثالث: حجب تلك المعاينة عمن لم يأت أجلهم بعد، ولكن هذا الحجاب سوف يُطرح عما قريب يمكن أن يطرح بعد لحظة أو ساعة أو يوم أو شهر أو سنة أو أكثر من ذلك أو اقل المهم هو أن هذا الحجاب سوف يطرح عندما يأتي الأجل ويجيؤنا ملك الموت وأعوانه ليقبضوا أرواحنا، ونحن بدورنا يجب علينا أن نعمل الصالحات قبل أن يطرح هذا الحجاب المانع من العمل والطاعة لأنه عند حلول الأجل ينتهي دور الإمتحان الذي فرضه الله علينا وتبدأ مرحلة الحساب على ما قمنا به في حياتنا الدنيا، فقوله(ع) وقريباً ما يطرح الحجاب هو الموعظة لنا لأنه يذكرنا بتلك اللحظات الشديدة التي لا يخلصنا منها سوى الطاعة الصادقة والعمل الصالح فلا ولد ولا مال ولا أهل ولا عشيرة تنقذنا من تلك الورطة الحرجة.

فلقد أتتنا العبر وجاءتنا المواعظ ونزلت علينا التعاليم والأحكام والأنظمة المحكمة ولكننا أهملنا ما جاءنا وفرطنا في واجباتنا ونسينا الآخرة وثوابها وعقابها فألهتنا الدنيا بزخارفها وشهواتها واستهوتنا النفوس الأمارة بالسوء فجعلتنا عبيداً مخلصين للشيطان الرجيم لا نخرج على أوامره ولا نعصي له حكماً من أحكامه الجائرة.

ولهذا ذكر لنا الإمام تلك الحجة الملقاة علينا فقال: وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقٍّ أَقَولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّماءِ إِلاَّ البَشَرُ

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى