تفسير قرآن

تفسير سورة البقرة

من الآية 151 إلى الآية 170

 

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ{البقرة/151}

ليس تغيير القبلة هو النعمة الوحيدة عليكم فلقد أنعم الله عليكم بالكثير ومن تلك النعم أنه أرسل فيكم ومنكم رسولاً يعلمكم أحكام الله ويتلوا عليكم كتابه بنظام وتوالي ويزكيكم مادياً ومعنوياً فإن التزكية في اللغة هي النماء، وقيل إن الحكمة هي كلام رسول الله وتعاليمه، وقد علمكم الرسول الكثير مما لم تكونوا تعلمونه من غير الكتاب وذلك بسبب اتصاله بالوحي والشواهد على ذلك كثيرة لا يسع المجال إلى ذكرها.

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ{البقرة/152}

بما أن الله تعالى أنعم عليكم بنعمه فإن من حق النعمة أن نشكر المنعم، والآية هنا لا تنبئ عن معنى عاطفي بين الله وعباده بل عن أصل تربوي، فذكرُنا لله هو أن نعبده ونقدسه، وذكره لنا هو أن يشملنا برحمته يوم القيامة.

وكان للمفسرين آراء كثيرة حول ذكر العبد لله وذكر الله للعبد، منها: أذكروني بالطاعة أذكركم برحمتي، واذكروني بالدعاء لأذكركم بالإجابة، واذكروني بالثناء والطاعة لأذكركم بالثناء والنعمة، واذكروني في الدنيا لأذكركم في الآخرة، واذكروني في الخلوات لأذكركم في الجمع، واذكروني بالعبادة لأذكركم بالعون واذكروني بالمجاهدة لأذكركم بالهداية، واذكروني بإخلاص لأذكركم بالخلاص.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ {البقرة/153}

يأمرنا الله في هذه الآية أن نستعين على الصعاب بالصلاة والصبر لأنهما المخرج لنا من الضيق ويخبرنا بأنه مع الصابرين في جميع مراحلهم في الدنيا والآخرة، والصبر له ثلاثة أركان صبر على الطاعة وصبر على المعصية وصبر على المصيبة؟

ويؤكد تاريخ العظماء أن أهم وأبرز عوامل الإنتصارات التي حققوها كانت الصبر الذي اعتبروه أهم من أية كفاءة أخرى، أما الإسلام فقد نفى صفة الإيمان عن فاقد الصبر، وفيه قال علي(ع): وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيْمَانِ كَالرَّأسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلاَ خَيْرَ في جَسَد لاَ رَأْسَ مَعَهُ وَلاَ فِي إِيمَان لاَ صَبْرَ مَعَهُ:

وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ {البقرة/154}

في معركة بدر استشهد أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار فعبّر عنهم البعض بالأموات فنهت هذه الآية عن ذلك التعبير مخبرة أنهم أحياء ولكننا لا نشعر بذلك.

وقد اختلف المفسرون في معنى هذه الحياة فمنهم من ذهب إلى أنها حياة الهدف الذي استشهدوا من أجله، ومنهم من قال إن معنى الحياة هي الهداية، ولكن الأكثرين قالوا بأنها حياة برزخية خاصة حيث يعيش هؤلاء الشهداء في البرزخ تحت ظل الرحمة الإلهية الخاصة.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{البقرة/155}

قلنا إن للصبر ثلاثة أركان صبر على المصيبة وصبر على الطاعة وصبر على المعصية، ولا يتحقق الأثر للصبر في الدنيا والآخرة إلا بهذه الثلاثة، والآية هنا تشير إلى نوع من أنواع الصبر وهو الصبر على المصيبة فإن الله تعالى يختبر إيمان عباده ببعض الإبتلاءات ليميز المؤمن عن غير المؤمن وهو العالم بذلك من دون اختبار، فيا أيها المؤمنون إذا ابتلاكم ربكم بشيء فواجهوا البلاء بالصبر لأنه العامل الوحيد الذي يخفف من وطأة المصيبة، أما عدم الصبر والخروج عن الصواب فإنه لا شك سوف يؤزم الأمر أكثر ويزيده تعقيداً والله تعالى أخبرنا بأنه قد يمتحننا بشيء مما ذُكر في الآية وفي نفس الوقت يعلمنا كيفية المواجهة وهي الصبر، وقد أمر الله نبيّه بأن يبشر الصابرين فإن هذا البلاء سرعان ما يزول وعلى فرض أنه لم يزل عنا حتى الموت فإن الجزاء عليه حسن في يوم الجزاء.

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {البقرة/156}

بشر يا رسول الله الصابرين، والصابرون هم الذين إذا نزل عليهم البلاء صبروا عليه وفوضوا أمرهم لله رب العالمين.

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ {البقرة/157}

هذه هي فحوى البشرى للصابرين وهي أن الله يصلي عليهم ويرحمهم ويؤكد لنا بأنهم هم المهتدون الحقيقيون، وهذا ما يثبت نظرية أن الصبر جزء من الإيمان والهداية.

روي «أَنَّ أُمَّ عَقِيل كَانَتْ امْرَأةً فِي الْبَادِيَةِ فَنَزَلَ عَلَيْهَا ضَيْفَانِ وَكَانَ وَلَدُهَا عَقِيلٌ مَعَ الاِْبِل فَأُخْبِرَتْ بِأَنَّهُ ازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ الاِْبِلُ فَرَمَتْ بِهِ فِي الْبِئْرِ فَهَلَكَ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلنّاعي انْزِلْ وَاقْضِ ذِمَامَ الْقَوْمِ وَدَفَعَتْ إِلَيْهِ كَبْشاً فَذَبَحَهُ وَأَصْلَحَهُ وَقَرَّبَ إِلَى الْقَوْمِ الطَّعَامَ فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ صَبْرِهَا (قَال الرّاوي) فَلَمّا فَرِغْنَا خَرَجَتْ إِلَيْنَا وَقَالَتْ يَا قَوْمِ هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَحْسُنَ مِنْ كِتَابِ اللهِ شَيْئَاً؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَاقْرَأ عَلَيَّ آيات أَتَعَزَّى بِهَا عَنْ وَلَدِي فَقَرَأْتُ: «وَبَشِّرِ الصّابِرينَ الَّذِينَ إِذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا للهِ وَإِنّا إِلَيّهِ رَاجِعُونَ إِلى قَوْلِهِ الْمُهْتَدُونَ».

«فَقَالَتْ الْسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ صَفَّتْ قَدَمَيْهَا وَصَلَّتْ رَكَعَات ثُمَّ قَالَتْ: اللّهُمَّ إِنّي فَعَلْتُ مَا أَمَرْتَني فَانْجزْ لي مَا وَعَدْتِنِي. وَلَوْ بَقِيَ أَحَدُ لاَِحَد ـ قَالَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَبَقِيَ ابْنِي لِحَاجَتِي إِلَيْهِ ـ فَقَالَتْ لَبَقِيَ محمّد لأُمَّتِهِ.

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ {البقرة/158}

كان المشركون في الجاهلية يأتون إلى مكة لأداء مناسك الحج على طريقتهم، وبقي الأمر كذلك إلى أن جاء الإسلام وأصلح تلك المناسك فأثبت ما كان صحيحاً وعالج ما أفسدته الجاهلية من تلك المناسك التي لها أصل إبراهيمي.

ومن جملة ما أقره الإسلام من تلك المناسك السعي بين الصفا والمروة وكان المشركون في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة وقد وضعوا على الصفا صنماً وعلى المروة صنماً آخر وكانوا لدى السعي يتبركون بتلك الأصنام فكره المسلمون ذلك وظنوا بأن الصفا والمرة ليست من المناسك فنزلت هذه الآية لتثبن أنهما من المناسك وأن التلويث الذي حدث بسبب المشركين لا يلغيهما، وعلى من يريد الحج أو العمرة أن يطّوف بهما والله تعالى يجزي عباده بالخير خيراً وشاكر ومُجازٍ وعليم بما يدور في صدور عباده فهو الذي يعلم من بقيت الوثنية في قلبه ومن طهّر قلبه منها.

ويظهر من عبارة لا جناح عليه الإباحة دون الوجوب مع أن السعي بينهما واجب، ويعود السبب إلى أن بعض المسلمين ظنوا بأنه محرد فرد الله عليهم بأنه ليس حراماً ولكن في نصوص أخرى أفصح القرآن والنبي(ص) عن هذا الوجوب.

وأما التطوع فهو في اللغة الإنصيام لأوامر الله تعالى، ولكنه في الفقه هو الأعمال المستحبة.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ {البقرة/159}

كان بعض المسلمين يسألون علماء اليهود عما ورد من أوصاف لرسول الله في التوراة، وكان هؤلاء يكتمون تلك الحقائق فهؤلاء سوف يلعنهم ربهم في الدنيا والآخرة أما اللعنة في الدنيا فقد تقتصر على بيان غضب الله عليهم في الآخرة وأما لعنته لهم في الآخرة فهو تعذيبهم، واللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد.

وكذلك فإن اللاعنين من الملائكة والناس الصالحين يلعنون هؤلاء لأن كتمان الحق جريمة كبرى فلقد أراد الله أن يبين للناس الحق وهؤلاء حالوا بينه وبين الناس وخالفوا إرادة ربهم التشريعية فاستحقوا بذلك أشد العقاب، وإن الآية وإن نزلت في علماء اليهود غير أنها من الأحكام العامة فإن كنمان الحق حرام على المسلم وغيره.

إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {البقرة/160}

إن رحمة الله واسعو وباب التوبة مفتوح لا يُغلق في وجه أحد فقد يظلم المرء نفسه ويرتكب مثل هذه المعصية ولكن ربما أراد أن يتوب في يوم من الأيام فإنه إن تاب توبة نصوحاً وبيّن الحق الذي كتمه وخاف ربه بالغيب فهذا سوف يتوب الله عليه بعد أن يظر إلى نقاء قلبه وصفاء نيته، وكلمة تواب صيغة مبالغة فهي تبعث الأمل في نفوس المذنبين فإن الله تعالى لا يقبل توبتهم فقط بل إنه سوف يغدق عليهم من رحمته الواسعة.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ{البقرة/161}

تتابع هذه الآية مضمون ما ورد في الآية السابقة فإن الذين يكتمون الحق كفار عند الله وقد استثنى الله الذين تابوا وأصلحوا، أما الذين أصروا على كتمان الحق وماتوا عليه فسوف يحشرهم ربهم كفاراً ويعاقبهم بسوء فعلهم وكفرهم، وهؤلاء تلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس، وإذا قلتم ألا تكفي لعنة الله لوحدها؟ قلنا إن ذلك فيه تأكيد للعنة الإلهية، وإن قلتم كيف يكون جميع الناس لاعنين مع أن منهم من يرتكب مثل هذه الجريمة؟ قلنا: لأن الجميع يكرهون كتمان الحقائق عنهم وإن كان البعض منهم يمارس هذا السلوك السيء، فالكافر قد يلعن الكافر الذي أخفى عنه الحقيقة وهكذا.

خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ {البقرة/162}

لا خروج لهم من النار لأنهم كانوا طيلة حياتهم كفاراً فلم يغتموا الفرص بل أصروا على الكفر والعناد، ولا يُنظرهم الله مرة أخرى ولا يعطيهم فرصة جديدة لأن دار العمل قد زال وبقي دار الحساب ولا دار بعده.

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ {البقرة/163}

يجب على الجميع أن يكونوا مؤمنين موحدين لأن الله تعالى واحد وهو الرحمن بعباده كافة والرحيم بالمؤمنين خاصة.

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{البقرة/164}

في الآية السابقة أشار الله سبحانه إلى وحدانيته، وفي هذه الآية يثبت للناس وجوده وقدرته وأيضاً وحدانيته في الخالقية والربوبية والرازقية.

وإن هذا النظام القائم بين مخلوقاته والإنسجام التام فيما بينهما في ذاتها وفيما بينها وبين غيرها لأكبر دليل على وحدانيه، وإذا ثبتت الوحدانية فقد ثبت الإيمان بالوجود تلقائياً.

لقد أشارت هذه الآية إلى ستة أنظمة تدل على مدى القدرة وتثبت الوحدانية أما الأول فهو نظام السموات وما فيها من مليارات الكواكب والنجوم والشموس وغير ذلك من مخلوقات لم يتعرف العلم الحديث إلا على جزء صغير منها فإنها تسير بنظام دقيق لا تخرج عنه أبداً، وهذا النظام القريب منا ما هو إلا جزء من مجرة واحدة من بين ملايين المجرات، وكذا هذه الأرض التي نعيش عليها والتي حيرت العلماء بسبب ما فيها من أنواع مخوقاتٍ مختلفة تعد بالملايين وكلها تسير بنظام واحد وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين(ع) عندما قال: ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَفَ مَجْرَاها، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ المَاءِ الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ البِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بهِ عَصْفَهَا بِالفَضَاءِ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ  عَلَى مَائِرِهِ، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَرَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ، فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ، وَجَوٍّ مُنْفَهِقٍ، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَموَاتٍ، جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْر عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَارٍ يَنْظِمُها. ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزينَةِ الكَوَاكِبِ، وَضِياءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً، وَقَمَراً مُنِيراً: في فَلَكٍ دَائِرٍ، وَسَقْفٍ سَائِرٍ، وَرَقِيمٍ (29) مَائِرٍ:

وكذلك أشارت الآية إلى موضوع اختلاف الليل والنهار فإن من الدّلائل على ذاته المقدسة تعاقب الليل والنهار بنظام خاص، فينقص أحدهما بالتدريج ليزيد في الآخر، وما يتبع ذلك من تعاقب الفصول الأربعة، وتكامل النباتات وسائر الأحياء في ظل هذا التكامل ، فلو انعدم هذا التغيير التدريجي، أو انعدم النظام في هذا التدريج، أو انعدم تعاقب الليل والنهار لإِنمحت الحياة.

ومن آيات الله تلك السفن الكبيرة والصغيرة والتي تعبر البحار والمحيطات من أجل منفعة الناس ونمو اقتصادهم واستمرار حياتهم.

ومنها: المطر الذي يحيي الأرض فتهتز ببركته وتنمو فيها النباتات وتحيا الدواب بحياة هذه النباتات، وكل هذه الحياة تنتشر على ظهر الأرض من قطرات ماء لا حياة فيها.

ومنها: وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ  لا على سطح البحار والمحيطات لحركة السفن فحسب، بل على الجبال والهضاب والسهول أيضاً لتلقيح النباتات فتخرج لنا ثمارها اليانعة.

وتارة تعمل على تحريك أمواج المحيطات بصورة مستمرة لنمو حياة الكائنات البحرية.

واُخرى تقوم بتعديل حرارة الجو وتلطيف المناخ بنقلها حرارة المناطق الاستوائية إلى المناطق الباردة، وبالعكس.

واحياناً تقوم بنقل الهواء الملوّث الفاقد للاوكسجين من المدن إلى الصحاري والغابات لمنع تراكم السموم في الفضاء.

ومن الآيات الدالة على القدرة َالسَّحَاب الْمُسَخَّر بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ  والسحب المتراكمة في أعالي الجو، المحمّلة بمليارات الأطنان من المياه خلافاً لقانون الجاذبية، والمتحركة من نقطة إلى اُخرى دون ايجاد خطر، إضافة إلى أن هذا الودق (المطر) الَّذي يخرج من خلال السحاب يحيي الأرض، وبحياة الأرض تحيا النباتات والحيوانات والإِنسان، ولولا ذلك لتحولت الكرة الأرضية إلى أرض مقفرة موحشة وكل تلك العلامات والمظاهر (لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)، لا للغافلين الصم البكم العمي.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ {البقرة/165}

عرضت الآية السابقة بعض مظاهر القدرة الإلهية مشيرة إلى العديد من الأدلة على وجوده ووحدانيته سبحانه وتعالى، ورغم تلك الأدلة الواضحة فإن كثيراً من الناس أعرضوا عنها وأشركوا بالله حيث اتخذوا معه الأنداد وهي تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، والعجيب هو أنهم لم يعبدوها فقط وإنما كانوا يحبونها كما يحب المؤمن ربه، ورغم أن قلوبهم تعلقت بتلك الأوثان وأحبتها إلا أن حب المؤمنين بربهم لربهم أشد وأعظم من حب الوثني للأوثان، فحب الوثني لأوثانه سطحي لا دوام له لأنه عند أية شدة تنزل عليه سوف يهين صنمه أو يحطمه أو يوبخه كما كان يصنع الكثير منهم، وأما حب المؤمن لله فهو ثابت ومتين ومستمر.

ولكن عندما يأتي يوم القيامة ويرى الظالمون العذاب فسوف يتيقنون هناك بأن القوة الحقيقية لله وحده وأن الحكم له وحده لا يشاركه فيه أحد وهناك يندمون حيث لا ينفع الندم.

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ {البقرة/166}

في ذلك اليوم العظيم عندما يرى الناس أهوال يوم الحساب ويسمعون زفير جهنم وشهيقها يصبح هم الإنسان أن ينجو بنفسه، وكان قوم في الدنيا اتبعوا الحكام الظالمين وباعوا كراماتهم وعقائدهم لهم بثمن بخس، ففي يوم القيامة سوف يتبرأ المتبَع من المتبِع حيث لا يغني أحد عن أحد شيئاً وهناك تُقطع بهم الأسباب فلا يبقى تواصل بينهم ولا ود كلٌ يريد الخلاص ولكن لا خلاص إلا لمن عمل صالحاً في دار الدنيا.

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ {البقرة/167}

هناك يتمنى المتبِع أن يكون له فرصة حتى يتبرأ من المتبَع حيث علم أن اتباعه لم يُجد له نفعاً في يوم الحساب فيندمون حيث لا يجابون ولا يغاثون فتقتلهم الحسرة هناك بسبب أعمالهم وبسبب أنهم آثروا العبد على المعبود وباعوا الآخرة بالدنيا حيث استسلموا لوسوسة الشيطان الرجيم الذي يتبرء هو بدوره ممن اتبعوه في دار الدنيا وإلى هذا المعنى يشير الله بقوله(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) فهؤلاء تقتلهم الحسرة مرات قبل أن يدخلوا النار التي لن يخرجوا منها أبداً، وكأن الله تعالى من خلال هذا التصوير يريدنا أن نعيش تلك اللحظات الحرجة قبل أن نصل إليها فلا نجد لأنفسنا فرصة تخلصنا مما نحن فيه.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ{البقرة/168}

فرقٌ من العرب أمثال ثقيف وخزاعة حرموا على أنفسهم أكل بعض النباتات والحيوانات دون دليل يدل على الحرمة، فنزلت هذه الآية لتنهاهم عن تحريم ما أحل الله وتبين لهم أن هذا السلوك إنما هو من عمل الشيطان الذي كان ألد أعداء الإنسان، وهذه الصيغة من صيغ النهي(ولا تتبعوا خطوات الشيطان) وردت خمس مرات في كتاب الله وهذا تأكيد واضح على خطورة اتباع الشيطان الذي لا يأمر أتباعه إلا بالضلال والإنحراف، وأما قوله(إنه لكم عدو مبين) فإن عداوته ظاهرة بشكل واضح وقد تكررت هذه العبارة في القرآن عشر مرات.

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {البقرة/169}

هذا العدو الخطير هو الذي يأمركم بتحريم ما أحل الله لكم ويأمركم بأن تنسبوا هذا التحريم إلى الله والله لم يحرمه عليكم، وطاعة الشيطان معصية للرحمن ولكل طريق منهما عاقبته المعلومة.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ{البقرة/170}

يمتاز الإسلام الحنيف بدعواته المتكررة إلى التعقل والتبصر في أمور الدين والدنيا، وبذلك يكون قد ألغى مبدأ التقليد الأعمى، فلقد واجه أنبياء الله مشكلة حقيقية وهي هذا النوع من التقليد الذي وضع الأقفال على القلوب تارة واستُعمل ذريعة واهية تارة أخرى، كان كلما أمر الأنبياء أقوامهم باتباع ما أنزل الله من الحق أعرضوا عن تلك الدعوة والتزموا ما كان عليه آباؤهم من الضلال والإنحراف، وهنا يحتج القرآن عليهم فيقول أتتبعون الآباء والأجداد وتسلكون سبلهم وإن كانوا على طريق الضلال.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى