الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه

المَوْتُ إِما سَعَادَةٌ وإِما شَقَاء

 

 

المَوْتُ إِما سَعَادَةٌ وإِما شَقَاء

 

قيل للإمام الصادق(ع) صف لنا الموت؟ فقال: للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كله عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشد:

ولعل كلامه(ع) في هذا الحديث ناظر إلى نفس الموت، أي إلى نفس عملية خروج الروح من الجسد، وليس ناظراً إلى ما يأتي بعده، لأن ما يأتي على المؤمن بعد الموت أطيب من الريح الطيب، وهو له انقطاع التعب والألم، وما يأتي على الكافر بعد الموت أشد من لسع الأفاعي ولدغ العقارب، لأن ما يأتي للكافر بعد الموت هو العذاب الأليم والنار الكبرى.

فالموت وإن كان واحداً، غير أن عملية خروج الروح من الجسد وما يسبقها بقليل أو ما يعقبها بقليل تختلف بين شخص وآخر، وذلك بسبب الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، فإن المؤمن إذا جاء أجله أتته الملائكة بصورة حسنة وطيبة، فهم يُدخلون الأنس على قلبه والطمأنينة على نفسه في تلك اللحظات الحاسمة والظروف الشديدة، حيث أنه في تلك اللحظات يفارق الأهل والأحبة والجيران والأصدقاء، ويفر من زوجته وولده ووالده وجميع أهل الدنيا، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وأما الكافر والعاصي فتخرج روحه من جسده في ظروف مخيفة، حيث تأتيه الملائكة وملامح الغضب ظاهرة على وجوههم، فيشتد عليه النزع والألم والخوخ جزاءاً بما كان يرتكب من المعاصي في دار الدنيا، وليس ذلك جزاءَه بل هو مقدمة للجزاء الأشد والأغلظ في يوم الحساب، وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)

التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ بِالمَوْت

 

قد يكون الموت أمراً سهلاً على الإنسان، وقد يكون من أصعب الأمور عليه، ويعود السبب في ذلك إلى ممارسات الإنسان وفحوى سلوكه في الحياة، فإن المؤمن له وضع خاص عند الموت وبعده، والكلام هنا حول حقيقة الموت بغض النظر عن المقدمات المؤثرة سلباً وإيجاباً فقد شبّه الرسول الأعظم محمد(ص) عملية الموت بعملية النوم حيث قال: كما تنامون تموتون وكما تستيقظون تبعثون: وهو(ص) يشير إلى سهولة هذه المرحلة الإنتقالية من عالم إلى عالم آخر، وورد عن الإمام الباقر(ع) مثل ذلك حيث قيل له ما الموت؟ فقال(ع) هو النوم الذي يأتيكم كل ليلة إلا أنه طويل مدته لا يُنتبه منه إلا يوم القيامة:

ونلاحظ بأن وصف المعصومين للموت ورد بطريقين: الأول: وهو طريق التخويف، وذلك عندما يصوِّرون لنا الموت بأنه أمر مخيف وشديد وأليم، وعند هذا الوصف يكون المراد به أهل الكفر والعصيان، حيث أننا نؤمن بأن المؤمن لا يخاف من الموت ولا مما يأتي بعده، لأن الله تعالى يطمئنه ويؤنسه في مواضع الوحشة والشدة.

والطريق الثاني: وهو طريق الترغيب والتطمين، وذلك عندما يُشَبِّهون الموت بالنوم المريح، ونحن نعتقد بأن الراحة عند الموت لا تكون إلا للإنسان المؤمن، وهذا الكلام من شأنه أن يثبت قدم المؤمن على الإيمان، ويشجع العاصي على التوبة، فهناك كثير من الناس لا يتأثرون إلا بما يتعلق بشأن الموت الذي لا مفر منه، فقد يلجأ إلى الطاعة خوفاً من تلك المراحل التي سوف يمر بها بعد الموت، وهذا أمر حسن، ولكن الأحسن منه هو أن تطيع الله تعالى لأنه أهل لأن يطاع، فإذا أطعت ربك بهذه الطريقة كان ذلك أضمن لك وآمن عليك من تلك الطاعة القائمة على الخوف من الموت وما بعده، فيجدر بك أن تجعل طاعتك قائمة على الخوف من الله عز وجل وليس من شيء آخر، فإذا دفعك خوفك من الموت إلى الطاعة فاجعل مصدر خوفك من الموت مَنْ كان الموت بيده، فإن وحشة القبر لن تزول عنك إلا إذا لجأت للقادر على تخليصك من تلك الوحشة، فالقبر لن يرحمك، واللحد لن يؤنسك، ومنكر ونكير لن يتهاونا معك إلا إذا كنت مَرْضِياًّ عند الله تعالى.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى