
الإِنْسَانُ طَرِيدُ المَوْت
إذا تأملت آيات القرآن الكريم وتدبرتها وجدت فيها العديد من التحذيرات التي أطلقها القرآن حول الموت الذي يطارد الإنسان بين لحظة ولحظة، وإذا أمعنت النظر فيها مرة أخرى علمت بأن الله تعالى يعظنا ويرشدنا لما فيه صلاح دنيانا وآخرتنا لأن ذكر الموت له آثار كريمة على سلوك الإنسان في حياته.
وقد أعطانا أمير المؤمنين(ع) كثيراً من المواعظ حول الموت لنعتبر بها ونصحح سلوكنا في هذه الحياة، ومن تلك العبر كلامه(ع) عن نبي الله سليمان حيث قال: فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُد َعَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مَعَ النُّبُوَّهِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، َالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ:
إن الملك الذي أعطاه الله لنبيه سليمان كان معجزة وعبرة، والله تعالى قادر على أن يبسط الرزق لمن شاء من عباده، وقد كان سليمان أغنى وأقوى رجل في العالم، حيث أعطاه ربه ملكاً لا ينبغي لأحد قبله وبعده، وإلى هذا يشير تعالى بقوله(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) ورغم هذا الملك العظيم لم يؤخر الله أجله لحظة واحدة فقبضه إليه وهو على كرسيه يراقب عمل الجن، وقد ذكر أنه عندما جاءه ملك الموت ليقبض روحه طلب منه التأخير حتى ينتهي الجن من بناء الهيكل فأخبره بالنفي فقال له لماذا لم يأتني رسول يخبرني بدنو أجلي فقال له ملك الموت لقد بعث الله لك كثيراً من الرسل قال وكيف ذلك فقال له ملك الموت ألم تر الجنائز تلك رسل الله إليك.
ثم يعظنا الإمام مرة أخرى فيقول: أنتم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم وهو ألزم لكم من ظلكم الموت معقود بنواصيكم:
نفهم من هذا الكلام أن الإنسان إذا طلب الموت أخذه وإن فر منه أخذه أيضاً لأنه حكم عام يشمل جميه ذوي الأرواح فلا يستثن منهم أحد على الإطلاق، والموت أقرب الأشياء لنا ومنا فهو ألزم لنا من ظلنا الذي لا يفارقنا.
وفي هذا الصدد وردت أحاديث كثيرة، فقد قال علي(ع): إن الموت لمعقود بنواصيكم والدنيا تطوى من خلفكم:
وقال(ع) الموت ألزم لكم من ظلكم وأملك لكم من أنفسكم:
وقال(ع) لكل ذي رمق قوت ولكل حبة آكل وأنت قوت الموت:
وقال(ع) ما ينجو من الموت من خافه ولا يعطى البقاء من أحبه:
وقال(ع) إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب:
كُل مَنْ عَلَيْها فَانٍ
في وسط سورة الرحمن قال سبحانه(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ففي نظرة أولية لهذه الآية الكريمة يتبادر إلى الأذهان أن الضمير في قوله(عليها) يعود على الأرض أو على الحياة في الأرض، ولكننا عندما نتأمل قليلاً في الآية ونضم إليها بعض القرائن الخاصة والنصوص المشيرة إلى المعنى المراد نجد بأن الضمير يصلح للإنطباق على الحياة بشكل مطلق بمعنى أن المقصود بها كل ذي روح سواء كان من سكان الأرض أو من سكان السماء حيث ورد بأن الله تعالى سوف يأمر بقبض أرواح البشر والحيوانات والملائكة والجن ولا يبقى في الوجود سوى واجب الوجود تبارك وتعالى وحينئذ ينادي الله عز وجل قائلاً أين الملوك وأبناء الملوك أين من ملك الأرض بأقطارها لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه قائلاً لله الواحد القهار.
ويصح أن نقول بأن الضمير يعود إلى الأرض وحدها ويكون الدليل على موت أهل السموات موجوداً في موضع آخر فإن السكوت عن أهل السماء لا يفيد معنى البقاء لهم لما ورد في نفس الآية ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فلو كان هناك وجود لغير وجه الله لأشار إليه وبما أنه لم يشر إلى وجود غيره صح الإستدلال على موت جميع المخلوقات الحية بما فيهم الملائكة والجن.
ويمكن لنا أيضاً أن نسكت عن غير سكان الأرض مع وجود قوله ويبقى وجه ربك فيكون المعنى منصباً على الحياة في الأرض التي لا يبقى فيها سوى وجه الله بعد موت جميع سكانها، ونأتي بدليل آخر يدل على موت أهل السماء أيضاً.
وغاية ما في الأمر هو أن كل المخلوقات الحية بشكل مطلق سوف تذوق طعم الموت وتدخل في دائرة الفناء لأن البقاء المطلق خاص بالله وحده.
وهنا يوجد موعظة كبرى لمن يعتبر ويتعظ فلو فكّر الواحد منا بجوهر هذه الحقيقة لأسرع نحو الطاعة وأدرك معنى الحياة والهدف من إيجادها ولحافظ وواظب على الإلتزام بأوامر الله تعالى ونواهيه، فلنفكر معاً في زمن الخطاب الإلهي المذكور عندما ينادي في الوجود ونحن في مرحلة العدم أو مرحلة الفناء قبل يوم الحساب، ولنتفكر في يوم المحشر عندما لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم أي بإيمان صحيح مترجم بالعمل الصالح.
ولنأخذ العبرة ممن سبقنا من الذين كانوا أطول منا أعماراً وأكثر أموالاً وأشد قوة كيف أهلكهم الله تعالى وبدد أوصالهم وشتت شملهم وقهرهم بالموت الذي لا مفر منه، لقد أعطانا ربنا عبراً كثيرة حول هذا الأمر ولكننا لم نعتبر فقد قال سبحانه(فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وقال تعالى(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)
فلو أعطى الفرد منا جانباً صغيراً من اهتمامه في مسألة الفناء وما يعقبه من وقفات صعبة ومواقف مخيفة وخطيرة ولو فكر قليلاً في نعيم الجنة وعذاب جهنم لنفعته الموعظة وسلك الطريق الصحيح التي يضمن بها نجاته في مشهد القيامة في ذلك اليوم الذي من زحزح فيه عن النار فقد فاز.
وهنا نستذكر قول إمامنا علي(ع): ولو فكروا في جسيم النعمة أو القدرة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق:
الشيخ علي فقيه



