الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَ

القَبْرُ وَالغَيْب

 

 

القَبْرُ وَالغَيْب

 

لقد ركز القرآن الكريم على دعوة الناس إلى الإيمان بالغيب لأنها الأساس في امتحاننا، بل هو أساس في موازين يوم الحساب، فمن أنكر الغيب فقد أنكر الإيمان كله، لأن أكثر ما يجب أن نؤمن به إنما هو من الغيب، كالملائكة والبرزخ والقيامة والحساب والجنة والنار، قال تعالى(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) فقد وصف أهل التقوى بصفة الإيمان بالغيب فمن لم يؤمن به لم يكن من أهل التقوى، ومن لم يكن من أهل التقوى لم يستق ولن يستحق الرحمة في يوم الحساب.

والحديث عن الغيب أمر حساس ودقيق وهو فوق ذلك من أهم البحوث التي يتعرض العلماء لذكرها حيث تتوقف عليها أمور لا عداد لها في مجال العقيدة.

نحن نؤمن بأن علم الغيب منحصر بالله وحده فهو الذي إن أراد أطلع بعض خلقه على بعض غيبه لحكمة منه سبحانه، وقد ركز القرآن على انحصار الغيب في الله تعالى، ففي سورة آل عمران(مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) وفي سورة المائدة(لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وفي سورة الأنعام(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) وقد قلنا في البحوث المتقدمة إن الحديث عن الموت وما بعده لا يمكن أن تدركه العقول من حاقها، بل لا بد من الرجوع إلى النصوص الصحيحة الواردة لبيان هذا الغرض، فلا يجوز لنا أن نتكلم من دون علم ودليل، لأننا مسؤولون عند الله تعالى عن كل كلمة نتفوه بها.

لقد تحدثنا عن القبر وحقيقته وعما يجري فيه على الميت، ولكننا اعتمدنا في حديثنا النص القرآني وبعض النصوص الواردة عن النبي وآله(ص) وأقول بعضها لأن أكثر الروايات التي تُذكر في هذا المقام وغيره لم تصدر عنهم، وإنما هي من صنع الوضاعين الذين يحاولون إخفاء الحقائق وطمس الدين ومعالمه لغايات وضيعة وأهداف ساقطة لا تمت إلى الإنسانية بصلة.

يوجد في القبر أحداث كثيرة تجري على الميت، كسؤال القبر وضغطة القبر وقعدة القبر، فلو تركنا هذه العناوين على حالها من دون أن نبين للناس واقعها الصحيح لاختلف الناس فيما بينهم حيث لا تؤخذ هذه الأمور الغيبية على إطلاقها، فهي عناوين أولية تنسجم مع عملية التخاطب والتفهيم مع الناس، ولكن المعاني المرادة منها قد تكون أعمق منها، إذ قد يكون العنوان بسيطاً ولكن معانيه عظيمة والبحوث الواردة في شأنه كثيرة، كمسألة القبر الذي يظنه البعض بأنه مأوى الجسد الذي سيتحول عما قريب إلى جيفة تأكلها الدود ولا يبقى لهذا الجسد أي أثر، هذا قد يكون صحيحاً، ولكن لا ينبغي أن نحصر أفكارنا في الجسد المادي، بل لا بد من الدخول إلى الأسرار التي تتعلق بالروح التي اتخذت هذا الجسد موضعاً وظرفاً لها في الحياة، الأمر لا يتوقف عن المواد المحسوسة، بل الأمر أعظم من ذلك بكثير، فهناك حساب قبر، ومناظر سوف يراها ساكنه، وأحداث سوف تمر عليه، والأمر هنا أكبر من بيت حجري.

نحن ندعي العلم والمعرفة والفهم وإدراك الموت وما بعده من دون أن نعتمد على أدلة وبراهين، وهذا ادعاء فارغ من المضمون وخالٍ من المحتوى.

إن عقولنا قاصرة عن إدراك الغيب، فضلاً عن كونها قاصرة عن إدراك الكثير من المحسوسات، لأننا لم نؤتَ من العلم سوى القليل، وهذا معنى الخطاب القرآني القائل(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) نحن عاجزون عن إدراك بعض ما نرى ونسمع ونلمس، فكيف نجرأ على ادعاء معرفة الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ما زلنا قاصرين عن إدراك بعض أنظمة الأرض فضلاً عن أنظمة الفضاء، فكيف يمكن أن تطال عقولنا نظام الآخرة من دون الرجوع إلى القرآن والسنة المطهرة.

فالقبر من الغيب، والحديث عنه لا يصدر عن الذوق والإستحسان والقياس، بل لا بد من وجود الدليل والنص الخاص الذي يعوَّل عليه في المقام، وإلا كان السكوت أفضل، إن الحديث عن الموت وما بعده ليس تسلية نتسلى بها في سهراتنا، بل هو واقع غيبي يجب السؤال عنه، والسؤال يجب أن يطرح على أهل الذكر، وليس على بعضنا البعض إذا لم نكن من أهل العلم والمعرفة. ولا تأخذوا إلا بقول العالم الموثوق بعلمه، وهناك فرق بين العالم ومرتدي زيّ العلماء.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى