مَوَاعِظُ مِنْ وَحْيِ القُبُور
هناك أشخاص ابتعدوا عن العبرة ولم يعملوا بالعظة فنظروا إلى ظواهر القبور وأحجارها وألوانها وأشكالها، ولم يفكروا يوماً في أحوال سكانها، بل لم يفكروا فيما يجعل تلك الدور روضة من روضات الجنان وفيما يجعلها جزءاً من النيران، فراحوا يهتمون بالمظاهر ويحسنوها من باب اللياقة بأوضاعهم الإجتماعية حيث لا يليق بهم وهم أصحاب أموال كثيرة ومراكز عالية أن تكون قبورهم على الطراز القديم، فصرفوا الأموال الهائلة على بنائها وتزيينها وزخرفتها من باب المفاخرة والإستعلاء، وهم بهذا السلوك يزيدون أجواف قبورهم شدة وظلمة ووحشة وقبحاً.
فلو أنهم زينوا الداخل باكتساب المواعظ وبالعمل الصالح لكان ذلك خيراً لأنفسهم في الدنيا وجميع منازل الآخرة، ولو أداروا مسامع قلوبهم للموعظة كان خيراً من أن يديروها إلى كلام الناس وتجريحهم البعيد كل البعد عن الموازين الدينية والشرعية والأخروية، فلا تدر سمعك وقلبك للناس، بل اصنع ذلك مع ربهم وخالقهم، وأطعه وزيِّن جوف قبرك بالطاعة، وافرشه بالعمل الصالح.
ورد عن رسول الله(ص) أن القبر يقول للميت عندما يوضع فيه:ويحك يابن آدم ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود؟ ما غرك بي إذ كنت تمر بي مراراً؟ فإن كان صالحاً أجاب عنه مجيب للقبر فيقول:أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقول القبر: إني إذاً أتحول عليه خضراء ويعود جسده نوراً وتصعد روحه إلى الله:
وقال بعضهم: ليس من ميت يموت إلا نادته حفرته التي يدفن فيها أنا بيت الظلمة والوحدة والإنفراد فإن كنت في حياتك لله مطيعاً كنت عليك اليوم رحمة وإن كنت لله عاصياً فأنا اليوم عليك نقمة أنا الذي من دخلني مطيعاً خرج مسروراً ومن دخلني عاصياً خرج مثبورا:
وقال آخر: بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ثم أنطقها الله فقالت:يا أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا: وقال رسول الله(ص) لقيس بن عاصم التميمي وإنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت….الخ
وقال آخر: إذا وضع العبد الصالح المطيع لربه في القبر احتوشته أعماله الصالحة مثل الصلاة والصيام والحج والصدقة، قال ويجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه فقد أطال بي القيام لله تعالى، فيأتونه من قبل رأسه فيقول الصيام لا سبيل لكم عليه فقد طال ما أظمأه لله في دار الدنيا، فيأتونه من قبل جسده فيقول الحج إليكم عنه فقد أتعب بدنه وأنصب نفسه وحج لله فلا سبيل لكم عليه فيأتونه من قبل يديه فتقول الصدقة كفوا عنه فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه، ثم تأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشاً من الجنة ويفتح له من قبره مدُ بصره:
الشيخ علي فقيه



