حقيقة الإنسان

حَقيْقَةُ الإِنْسَان

النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ

 

 

النفْسُ المُطْمَئِنةُ

 

ننطلق في البحث من قول الله العظيم(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)

لم تُذكر النفس المطمئنة في كتاب الله سوى مرة واحدة في سورة الفجر.

وقد جعلها البعض أجنبية عن قوى النفس لأنها نتيجة عمل النفس اللوامة، ولهذا لم يُدرجها لا في التقسيم العلمي، ولا في التقسيم العقائدي.

ولكنها موجودة بالفعل وإن لم يذكر البعض أو لم يعترفوا بأنها من قوى النفس المجعولة في الإنسان بهذه الدنيا.

ويمكن القول بأن هناك اتفاقاً بين الكثيرين على قوتين في النفس فقط، هما: النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة معتبرين بأن زكاة النفس أو اطمئنانها ينجم من أثر اللوم.

وعلى أي حال لا بد لنا من تسليط الضوء على هذا البحث لأنه غاية في الدقة والأهمية، ولأنه قد يعارض بعض المسلَّمات لدى الناس.

إن كثيراً من الناس يطلقون لفظ المطمئنة على الموتى احتراماً لهم وللموت، ويضعون الآيات الكريمة المذكورة في أوراق النعي.

ولكن كثيراً من الذين يتداولون هذه الآيات أو كلمة المطمئنة يجهلون المعنى الحقيقي لها، وقد كثر استعمال لفظها في الأموات دون الأحياء، فهل هذا الإستعمال دليل على كونها مختصة بالنفس بعد الموت؟ أم أن التعبير هنا من باب المجاز فيصح إطلاقها في الحياة والموت على حدِ سواء؟

وقبل إبداء الرأي الخاص حول هذه الحقيقة أحب أن أشير إلى أن سياق الآيات المذكورة يوحي باختصاص المطمئنة بما بعد الموت لأن الآيات تحدثنا عما سوف يجري في يوم القيامة.

الله عز وجل يخاطب النفس المطمئنة بعد الحساب ويقول لها أدخلي جنتي مع عبادي الصالحين.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أن استعمال القرآن لهذا اللفظ لدى حديثه عن أحداث يوم القيامة يخصصها؟ أم يجوز استعمالها في غير يوم القيامة؟

نحن نقول: لا ريب أن اطمئنان النفس ناجم عن العمل الصالح، والعمل الصالح لا يخرج إلا بعد صراع طويل بين النفس الأمارة والنفس اللوامة، فإذا انتصرت اللوامة على الأمارة خرج العمل الصالح، وكان صاحب هذا العمل صاحبَ نفس مطمئنة.

والعمل الصالح خاص بالدنيا وليس في الآخرة على اعتبار أن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فإذا كان صاحب العمل الصالح صاحب نفس مطمئنة جاز وصف نفسه بالإطمئنان قبل موته، وتكون النفس المطمئنة قِسماً من أقسام النفس بغض النظر عن كونها ذات وظيفة وعمل أو كونها نتيجة.

ونفس الذي نذكره حول النفس المطمئنة يجوز استعماله في النفس الزكية لوجود مشابهة قوية بينهما باعتبار كونهما ناجمين عن نتيجة العمل.

وإذا كان الإطمئنان من نتاج اللوم، فإن اللوم يحصل في الدنيا، وبالتالي فإن النتيجة تحصل في الدنيا أيضاً، فإن حصلت النتيجة في الدنيا جاز الوصف فيها.

وحال هذا اللفظ كحال غيره من الألفاظ المستعملة في الدنيا والآخرة كلفظ الإيمان والصلاح، فيقال للمؤمن مؤمن في الدنيا وكذلك في الآخرة.

ولا يهمنا ما إذا كانت المطمئنة لفظاً خاصاً بالدنيا أم الآخرة، أم كان مشتركاً بينهما، ولا يهمنا إن كانت مدرَجة تحت أقسام النفس أو لا، ما يهمنا أولاً وبالذات هو كيفية جعل النفس زكية ومطمئنة.

نترك هذا البيان للنبي وآله(ص) فهم أعظم من رسموا طرق السعادة لبني البشر.

عن الإمام علي(ع): سبب صلاح النفس العزوف عن الدنيا:

وعنه(ع): صلاح النفس مجاهدة الهوى:

وعنه(ع): أعون شيء على صلاح النفس القناعة:

وعنه(ع): سبب صلاح النفس الورع:

وعنه(ع): إذا رغبْتَ في صلاح نفسك فعليك بالإقتصاد والقُنوع والتقلل:

وعنه(ع) في نهج البلاغة”أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ، وَإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ، وَبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ، وَإِلَيْهِ مُنْتَهْى رَغْبَتِكُمْ، وَنَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ، وَإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ، وَبَصَرُ عَمَى أَفِئِدَتِكُمْ، وَشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ، وَصَلاَحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ، وَطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ، وَجِلاَءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ، وَأَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ، وَضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ. فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ، وَدَخِيلاً دُونَ شِعَارِكُمْ”

بتطبيق هذا الوصايا والتعاليم تصبح النفس نفساً مطمئنة وإلا فإن صاحبها من أهل الشقاء.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى