حقيقة الإنسان

حَقيْقَةُ الإِنْسَان

النَّفْسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوء

 

 

النَفْسُ الأَمارَةُ بِالسوء

 

نبدأ البحث بقوله سبحانه(وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ){يوسف/53}

إنها من الآيات التي يتداولها الناس فيما بينهم بمناسبة وغير مناسبة، وبمعرفة وعن غير معرفة في مضمونها والمراد منها.

وقد وردت هذه الآية لدى حديث الله تعالى عن امرأة العزيز التي راودت فتاها عن نفسه وحاولت أن تجبره على الخطأ، ولكنه عصم نفسه فكان من الفائزين.

وتُشعرنا الآية بأن هذا الكلام قد صدر عن تلك المرأة بعد أن افتُضح أمرها فشعرت بالندم واعترفت بالحقيقة التي بسببها وُضع الصدّيق يوسف(ع) في السجن لأعوام.

وقال بعض المفسرين إن هذا كلام يوسف(ع) يبيّن من خلاله حقيقة للعزيز وهي وإن كانت النفس أمارة بالسوء إلا أن ربي سبحانه عصمني عن الخطأ.

وأياً يكن القائل فإن معنى الآية واضح والدرس منها صريح، والتركيز هنا على مضمون الآية أهم من التركيز على القائل.

امرأة العزيز وكثير من الناس حتى زماننا يستعملون هذه الآية لتبرير أخطائهم وكأنهم غير مسؤولين عما يصدر منهم وعنهم، ولكن الحقيقة التي يحاول الكثيرون إخفاءها هي أن الآية الكريمة لم تَرِدْ لبيان التبرير فقط وإنما وردت لبيان مفهوم إنساني ديني واسع مؤدّاه أن النفس تشتمل على قوة تأمر صاحبها بالسوء وتحذرنا من الوقوع في أفخاخ هذه القوة التي لا ينجو من سوئها إلا القليل.

بعضهم كان عنده قصور في فهم الآية فظن بأن مضمونها يشكّل له عذراً في يوم القيامة، وهو وهمٌ واضح.

وبعضهم يدرك المعنى الحقيقي لها، ولكنه يحاول تصوير أمرها على وجه غير صحيح لغاية في نفسه.

وبعضهم يفهم المعنى بشكل صحيح ويطبق الأثر كما يجب، وهكذا يجب أن يكون كل مؤمن بالله وكتابه العزيز.

فالنفس البشرية أمّارة بالسوء، وهذا لا يعني أن نضعف أمامها ونستسلم لما تفرضه علينا، وإنما تجب مواجهتها بالقوى التي تقابلها لأن الله سبحانه أوجدها وأوجد في النفس ما يدرأ به الإنسان شر الوسوسة.

فالنفس الأمارة بالسوء واحدة، ولكن قوى الخير في النفس ثلاث:زكية ومطمئنة ولوامة: وهذا يعني رفض أي عذر يقدمه الإنسان المتذرع بالقوة السلبية.

فلو أن بعضهم حاول أن يتذرع بالتقسيم العلمي للنفس مدعياً بأن القوى للنفس أربع، واحدة تستمد القوة من العقل، وثلاث من الهوى؟

نقول: وإن كان هذا التقسيم صحيحاً ومنطقياً إلا أنّ علماء النفس يقولون بأن القوة العقلية رغم أحاديتها إلا أنها أقوى من سائرها، ولا شك بأن هذا الكلام صادر عن معرفة واسعة نتائج مؤكدة لدى علماء النفس.

وعلى الإنسان أن يعلم بأن الله سبحانه خلق النفس الأمارة بالسوء حتى يستقيم بها الإمتحان في الدنيا، وإلا فلا امتحان من الأساس، وعدم وجود الإمتحان في الحياة يعني اللغوية في الوجود والإيجاد، والله تعالى منزّه عن اللغو في الخلق والفعل.

إن باستطاعة الإنسان أن يدمّر هذه القوة في داخله تدميراً كاملاً عبر التزامه بأوامر ربه ونواهيه، فإن فعل ذلك كان وجود النفس الأمارة بالسوء فيه كعدم وجودها، وهو قادر على فعل ذلك حيث مكّنه ربه من المقاومة، ومع هذا التمكين لا يبقى للإنسان عذر في المخالفة.

صحيح.. إن الإنسان ليس معصوماً بالتكوين، ولكنه قادر على أن يدرك هذه المرحلة من خلال سلوكه والتزامه بفضل قوى الخير المودعة فيه حين الخلق.

فإذا أردتَ أن تحاجج ربك يوم القيامة بوجود هذه القوة فيك فسوف يحاججك ربك بوجود القوى المقابلة لها فيك، وببعثه للرسل، وإنزاله للكتب، وبآلاف التحذيرات التي وجهها إليك عبر أنبيائه وكتبه.

معنى ذلك أنك الخاسر الأكبر ما لم تطع رب العالمين وتعمل على وأد قوة الشر بداخلك، وهو أمر مقدور عليه، وبكل بساطة.

والآن نأتي إلى الشطر الآخر من الآية الكريمة، فلقد تحدثنا عن قوله سبحانه(إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) بقي الحديث عن قوله تعالى(إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

لا تعني الآية أن الله تعالى يعصم من يشاء ويوقع في المعصية من يشاء، وإنما تعني أن النفس وإن كانت أمارة بالسوء إلا أن الله يرحم الذين لم يديروا مسامع قلوبهم إلى هذه القوة.

وبمعنى آخر.. إن الله سبحانه يرحم من يطيعه ويحارب هذه القوة، فإن حاربها كان الله رحيماً به لأنه دله على طريق الخلاص، وإلا فلن يلوم الإنسان إلا نفسه.

ولا بد في نهاية هذا البحث أن نبيّن الدرس والموعظة المستفادة منه:

علينا أن نأخذ العبرة من الذين ظلموا أنفسهم بركوب الحرام واستسلموا لشهواتهم ونزواتهم حتى أصبحوا عبيداً للشيطان، فقد استخفوا بتلك التجاذبات فيهم والصراعات التي تدور في داخلهم حتى جاءهم ما كانوا يوعدون، وندموا حيث لا ينفع الندم، وطلبوا العودة حيث لا عودة، فقد أدركهم الموت الذي تناسوه حتى جاءهم بغتة فحال بينهم وبين التوبة وأغلق عليهم باب الأوبة فأصبحوا حطباً لنار جهنم.

وخير ما يقال في المقام موعظة لسيد المتقين الإمام علي(ع):

“لاَ يَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ، وَلاَيَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ وَلاَ رَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ”

ومهما حاولنا أن نوضّح حقيقة هذه القوة فلن نتمكن كما تمكن المعصومون سلام الله عليهم من بيان حقيقتها وآثارها وسلوكها مع صاحبها.

فعن أمير المؤمنين علي(ع) قال: إنّ النفس لأمارة بالسوء والفحشاء، فمن ائتمنها خانته، ومن استنام إليها أهلكته، ومن رضي عنها أوردته شر الموارد:كتاب غرر الحكم.

وعنه(ع): إن هذه النفس لأمارة بالسوء فمن أهملها جمحت به إلى المآثم: كتاب غرر الحكم.

وقد مرّ(ع) بقتلى الخوارج يوم النهروان فقال لهم: بؤساً لكم، لقد ضركم من غرّكم: فقيل له: من غرهم يا أمير المؤمنين؟ قال: الشيطان المُضل والأنفس الأمارة بالسوء، غرتهم بالأماني، وفسحت لهم بالمعاصي، ووعدتهم الإظهار، فاقتحمت بهم النار:نهج البلاغة

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى