
نَظْرَةُ الإِسْلامِ إِلَى تَطَورِ الإِنْسَان
إذا كان هناك دين يدعو إلى الترقي والتقدم والتطور والبناء فهو دين الإسلام، وإذا كانت هناك جهة تكاد توجب العمل من أجل إعمار الحياة مادياً وخُلقياً فهي شريعة الإسلام التي عُنيت ببناء الإنسان وتكامله وحافظت على استمراره عندما دفعت به نحو الإهتمام بعوامل الإستمرار وأسبابه.
ولا شك بأن الحياة في تطور مستمر، والنظرات إلى هذا التطور مختلفة، فمنهم من يؤيده من دون أن يلاحظ المنفعة منه أو المفسدة، لأن المهم عندهم هو التسابق في الإكتشافات والإختراعات من دون دراسة العواقب أو حتى من دون النظر فيها، ومنهم من يفصل بين النافع والمضر من التطور فيعتبر أن النافع منه هو التطور المطلوب وأن المضر منه هو الرجعية العمياء التي لا تقل عن الرجعية الجاهلية وما شاكلها من العادات التي أضرت بالناس أفراداً وجماعات، فدين الإسلام مع التطور، وهو يدعو إليه دائماً ولكن بشرط أن يكون التطور مصحوباً بالمنفعة للبشر، أما إذا اصطحب التطور معه الويلات والأضرار فإنه بئس التطور كهذا التطور الذي أوصل البشرية في زماننا إلى الهاوية وجعل الخطر محيطاً بها من كل ناحية وذلك عندما تنافست الجهات على صناعة الأسلحة المدمرة التي تضر بالشر والحجر والشجر وتنعكس سلباً على النفوس أيضاً، وهذا الطرح لا يشكّل عندنا قاعدة عامة، فهناك فرق في الأهداف من صناعتها، فمنهم من صنعها ليحكم العالَم بالظلم والجور ويجعل من الكرة الأرضية آلة شطرنج يحرك أحجارها كيفما يشاء ومتى يشاء، ومنهم من صنع تلك الأسلحة من أجل أن يدافع به عن نفسه ووجوده وعقائده خصوصاً مع وجود تهديدات له بالحصار وفرض العقوبات وإحداث الشرخ في صفوف أفراده.
فبئس هذا التطور الذي أصبح بسببه كل شيء ملوثاً ومضراً وإن لم يكن كذلك كان عديم الفائدة، فلقد أصبح كل ما على الكرة الأرضية ملوثاً بدءاً من الماء مروراً بالثمار ووصولاً إلى الهواء الذي طالما كان في الماضي دواءاً للعديد من الأمراض فأصبح اليوم بحد ذاته داءاً للبشر بسبب تلك المواد التي تتطاير في الجور من جراء استخدام تلك الأسلحة الشيطانية المدمرة التي تضر بصاحبها أولاً ثم بغيره ثانياً، فالجميع خاسر حيث لا حصانة لأحد من آثار تلك السموم حتى لو سكن مجاهل الغابات وبطون الأودية وقمم الجبال.
وإن أكبر دليل على سوء هذا التطور هو انتشار الأمراض الفتاكة في جميع البلدان مع ازدياد النسبة يوماً بعد يوم وظهور أمراض لم تكن بالحسبان، وإذا ارتكب البشر من المعاصي ما يعلمون ابتلاهم الله تعالى بما لا يعلمون، فلا تصل البشرية إلى اكتشاف أدوية لأمراض ظهرت منذ عشرات السنين حتى ينكشف لهم مرض أخطر لا دواء له.
وإن أكثر من نصف سكان الأرض اليوم يعيشون على جرعات الأدوية المضادة لتلك الأمراض، ونحزن لذلك ونحن البشر سبب حدوث ذلك، نحن الذين أوصلنا أنفسنا إلى هذه الحدود التي كنا بالغنى عنها من الأساس، ولكن الشيطان الرجيم استحوذ على قلوب كثير من الحكام فدعاهم إلى تدمير أنفسهم قبل غيرهم بل إلى تدمير هذه الحياة، وقد لقي من الأكثرين تجاوباً سريعاً لما أمرهم به، وخير وصف لهذه الحالة التي نعيشها في هذا الزمان على وجه الخصوص ما جاء في خطبة لأمير المؤمنين علي(ع) حيث قال:
اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لاَِمْرِهِمْ مِلاَكاً، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرَّخَ في صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِأَلسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الخَطَلَ، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ في سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالبَاطِلِ عَلى لِسَانِهِ!
فالإسلام مع التطور لأنه دين الحياة المستقيمة والعادلة وهناك نصوص كثيرة تؤكد هذه النظرية الإسلامية، فقد قال تعالى في محكم كتابه(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) وقال(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)
وقال أمير المؤمنين(ع) إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، فإن دلت هذه النصوص على شيء فإنما تدل على كون الإسلام داعياً إلى التطور بشرط وجود المصلحة العامة من خلاله.
وعلى الإنسان أن يعلم بأن الدنيا أمانة في عنقه يجب أن يحافظ عليها بالحدود التي رسمها له ربه فعليه أن يغرس ويزرع ويبني لتستمر الحياة لأن الحياة للجميع.
الشيخ علي فقيه



