الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه

أَثَرُ السلُوكِ عَلَى مُقَدِمَاتِ المَوْت

 

 

 

 

أَثَرُ السلُوكِ عَلَى مُقَدِمَاتِ المَوْت

 

ينصبُّ الكلام هناعلى ثلاثة أشياء:

 الشيء الأول: وهو أثر السلوك على مقدمات الموت، وهي المُعبَّر عنها بسكرات الموت أو النزع، وهي قابلة للشدة والرخاء، ولا أحد يشك بأن عمل الإنسان هو العامل الأول في مسألة شدة النزع أو رخائه،.

الشيء الثاني: وهو أثر السلوك على نفس الموت، أي عندما تخرج الروح من الجسد، وهذه المرحلة تأتي بعد انتهاء المقدمات.

الشيء الثالث: وهو أثر السلوك على ما يأتي بعد الموت من قبيل الحساب والثواب والعقاب، ولا شك بأن الإنسان المطيع سوف يكون مصيره إلى الجنة، والإنسان الكافر والعاصي سوف يكون مصيره إلى النار، إلا إذا أراد الله تعالى أن يبدل هذا النظام أو هذا القانون فلا راد لأمره وحكمه.

فقد قيل للإمام الصادق(ع) صف لنا الموت؟ فقال: للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كله عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب وأشد:

وهذا الحديث يحكي بكل وضوح عن وجود الأثر الذي ذكرناه، وأن العاقبة مرتهنة بالعمل الذي كان يقوم به الإنسان، فإن كان العمل صالحاً كانت عاقبته من لحظة المعاينة وإلى يوم القيامة حسنة وهينة، إذ لا يعاقب الله المطيعين، ولا يتخلى عنهم لحظة واحدة، وأما إذا كان الإنسان ملحداً أو مشركاً أو عاصياً فإنه لا شك في سوء مصيره منذ لحظة قدوم ملك الموت وإلى يوم القيامة.

وبمعنى آخر فإن عمل الإنسان له علاقة مباشرة بعملية قبض روحه، فإذا كان تقياً كانت عملية النزع عنده كرائحة طيبة يشمها ويأنس بها ويشعر براحة لم يشعر بها طيلة حياته، وأما إن كان طالحاً ومعانداً ومخالفاً لأحكام ربه فإنه يشعر أثناء قبض روحه كأنه ينشر بالمناشير، وهو ألم لم يشعر به طيلة حياته، لأن عذاب الآخرة أشد وأعظم وأكبر، فلا يمكن أن يقاس بأي نوع من أنواع عذاب الدنيا، ونقصد بالآخرة ما يأتي الإنسان لحظة موته وما بعد ذلك.

وإلى هذا المعنى يشير رسول الله(ص) بقوله :الموت الموت ألا ولا بد من الموت جاء الموت بما فيه جاء بالروح والراحة والكرّة المباركة إلى جنة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم، وجاء الموت بما فيه بالشقوة والندامة وبالكرة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم: يريد(ص) أن يقول لنا بأن الموت تارة يكون هو السعادة بعينها وأخرى يكون هو الشقاء بذاته وهذا ما يعرفه الإنسان لحظة مجيء الملائكة الموكلة بقبض روحه فإنها إن جاءته بصورة حسنة تحكي عن الرضا كانت تلك بشارة له بالرَّوح والراحة والجنة العالية والسعادة الأبدية، وهذا ما عبّر القرآن عنه بقوله تعالى(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ) أما إذا جاءته الملائكة غاضبة وكالحة فهذه علامة على شقائه حين الموت وبعده.

وقد تظافرت الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى الذي بات معلوماً لدى الجميع، فلا ينبغي أن نغفل عن الموت بل يجب أن نعمل على ختم حياتنا بالطاعة لنخفف عن أنفسنا أعباء الموت وما بعده من منازل الآخرة.

 

المَوْتُ قَرِيبٌ مِنَ الجَمِيع

 

كثير من الناس يغفلون عن الموت، فبعضهم ينساه، والبعض الآخر يتناساه، وهم يظنونه بعيداً عن ساحاتهم، وهو من أقرب الأشياء لديهم، فلا يدري أحدهم متى يأتيه الموت، وبأية طريقة تخرج روحه من جسده، قال تعالى(إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) فإن كل لحظة تنقضي من أعمارنا فإنها تقرّبنا من الموت، ولذا قال أمير المؤمنين(ع) نَفَس المرء خطاه إلى أجله: وقال(ع): في كل نفس فوت وفي كل وقت موت وفي كل لحظة أجل:

يجب على كل إنسان أن يضع نصب عينيه دائماً بأنه طريد الموت، فهو يلاحقه من مكان إلى مكان سواء كان لوحده أو بين الناس أو في البروج المشيدة، فمهما فر من أسباب الموت فلا بد أن تأتي اللحظة الحاسمة التي يفارق فيها الدنيا مهما كان منتبهاً ومحصَّناً وحذراً، حيث لا ينفعه شيء من تلك الإحتياطات إذا حل الأجل، لأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون:

قال سبحانه(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) وقال سبحانه(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا)

والآيات التي تشير إلى هذا المعنى كثيرة جداً وهي إرشاد للناس ووعظ وحجة وتحذير لهم من البقاء على الغفلة والمعصية.

فمن وصايا أمير المؤمنين لولده الحسن عليهما السلام قال له: إعلم يا بني إنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا وللموت لا للحياة وأنك في قُلعة ودار بُلغة وطريق إلى الآخرة وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ولا يفوته طالبه ولا بد أنه مدركه فكن منه على حذر أن يدركك على حال سيئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك فإذا أنت قد أهلكت نفسك:

وقد أشير في هذه الوصية الكريمة والعظيمة إلى عدة أمور لا ينبغي للمؤمن أن يغفل عنها أو يتجاهلها:

الأمر الأول: وهو أن الدنيا دار ممر وعمل وأن الإنسان لم يخلق لها كما يتوهم الذين نسوا الله واليوم الآخر وإنما خلق من أجل الآخرة التي هي الحياة الحقيقة التي كُتب لها الدوام، فالحياة التي تنتهي بالموت ليست هي الهدف، وإلى ذلك يشير سبحانه بقوله(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وهو الذي عبّر عنه الإمام بقوله: منزل قلعة ودار بلغة:

الأمر الثاني: أن الإنسان في هذه الحياة ملاحق ومطارد ولا يهنأ العيش ولا تستقيم الحياة التي يطارَد فيها المرء فهو يمشي قلقاً ويجلس قلقاً ويعمل قلقاً وينام كذلك ويصبح على ذلك، وهذا يعني أن الحياة الدنيا ليست سوى لعب ولهو وزينة ودار فاقدة للطمأنينة والسكون.

الأمر الثالث: أنه مهما حاول الإنسان أن يهرب ويبتعد عن أسباب الموت فلا بد أن يدركه عندما يأتي أجله وإن لم يكن يشكو من أي مرض فإن أسباب الموت في الحياة لا تعد ولا تحصى فهو مثل الذي حصّن نفسه من كل خطر وعالج بدنه من كل الأمراض وأكل الطعام الصحي في فترة من الزمن فجاءته صاعقة من السماء واختارته من بين مجموعة كانت حوله بهدف حمايته وقد كان ذلك عبرة وموعظة للناس من أنه مهما هرب المرء من الموت فإنه سوف يأتيه عبر ألف باب وأكثر وإليه يشير تعالى بقوله(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)

الأمر الرابع: أن الإمام حذّر ولده من الموت كيلا يأتيه وهو في حالة معصية لم يتب منها بعد لأنه قد تخرج روحه من جسده بلحظة واحدة فيحول الموت بينه وبين التوبة فلا ينبغي أن يؤخر المرء توبته إذ أنه لا يعلم متى يأتيه الموت بغتة، قال تعالى(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ  وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)

وقد مرّ في التاريخ عبر كثيرة حول ضرورة الإسراع إلى التوبة كقصة الشاعر المعروف بالأعشى الذي أخّر توبته حتى ينتهي من شرب الخمر فمات قبل ذلك.

الأمر الخامس: وهي نتيجة نسيان الموت وتأخير التوبة وهو الهلاك إلى الأبد وهو الخسران المبين.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى