
الفِرَارُ مِنَ المَوْت
قال سبحانه وتعالى في سورة الجمعة(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
إن الإنسان في هذه الحياة يهرب من الموت ويكره حلوله ويخاف من أجله مع أنه أمر مكتوب عليه منذ لحظة وجوده في مرحلة الدنيا، فتراه يفر من الموت هارباً من القضاء والقدر، فبدل أن يشغل المرء نفسه بالهروب والفرار فليشغلها بما يهوّن عليه شدة الموت وما يخلصه من العذاب في يوم الحساب، فإن ذلك أنفع له بكثير، لأنه مهما هرب من الموت فلا بد وأن تأتي اللحظة التي يعاين فيها ملك الموت وتخرج روحه من جسده، فلقد أكد لنا القرآن إصابة الموت لنا ولقيانا له، وهنا كان الأجدر بالإنسان أن يحصن نفسه ويتذخر ليوم الفاقة والحسرة والندامة حيث لا نفع للمعذرة ولا للندم هناك.
والإنسان في هذه الحياة لا يهرب من الموت نفسه، لأن الجميع مؤمنون بحلوله، ولكنه يهرب من أسباب الموت، وهو أمر طبيعي لدى أكثر البشر الذين يحافظون على حياتهم من الأخطار التي قد تُفقدهم الحياة.
فالفرار من الموت هو الفرار من أسبابه، ومهما تجنبنا الأسباب فلا بد وأن تأتي اللحظة التي تفاجؤنا بالموت وعندها نُردُ إلى الله مولانا لينبئنا بما كنا نعمل في الحياة الدنيا ويجزينا بالخير خيراً وبالشر شراً.
وتأتي تلك اللحظة الحاسمة ويدخل الإنسان في مرحلة النزع والإحتضار ويبدأ جسده بالتوقف عن الحركة بدءاً من القدمين وصعوداً حتى تبلغ الروح الحلقوم، وهو الترقوة والحجنرة، وفي ذلك يقول الإمام الصادق(ع): إنه إذا بلغت النفس الحلقوم أُريَ مكانه من الجنة فيقول ردوني إلى الدنيا حتى أخبر أهلي بما أرى؟ فيقال له ليس إلى ذلك سبيل، وإليه يشير القرآن بقوله(إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) ويصور لنا القرآن الكريم هذه الحالة فيقول(فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) وقال تعالى(كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ)
يعني إذا بلغت الروح إلى الحلقوم فهي اللحظة الأخيرة في حياة الإنسان، وعند ذلك يدخل في مرحلة الآخرة، فإذا فارقت روحه جسده(قيل من راق) ولفظ قيل في الآية يوحي بعدم صدورها من الميت وإن كان ذلك ينطبق عليه أيضاً، وكذلك يمكن أن يصدر ذلك عن أهله، فهنا احتمالان:
الإحتمال الأول: أن يكون القرآن الكريم يحكي لنا لسان حال الميت أو ما تقوله الروح لمن حولها فهي تريد أن تقول هل من طبيب يداوي ما نزل بي؟ فيرد عليها بأن هذا الحدث ليس له دواء فهو الموت الذي لا مفر منه ولا يمكن لأي مخلوق في العالم أن يعيد الروح إلى الجسد إلا بإذن الله عز وجل.
الإحتمال الثاني: أن يكون هذا حال أهل الميت الذين لا يصدقون للوهلة الأولى أنه مات فهم يظنون بأنه أغمي عليه أو حدث له أمر يمكن الخلاص منه، فيستدعون الأطباء للكشف عليه ويلوذون ببعض من يرتاحون له، فيجابون بمثل ما يجاب الميت أو روحه بأنه الموت الذي أتاه فهو الذي أوقف حياته وعطل جسده عن الحركة، وعند ذلك يعلم الجميع بأن هذه هي لحظة الفراق، وإليه أشار تعالى بقوله(وظن أنه الفراق) والظن هنا بمعنى العلم والإعتقاد.
الشيخ علي فقيه



